أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

426

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدها : أنه متعلق ب « أَنْزَلْناهُ » ، والباء سببية ، أي : أنزلناه بسبب الحق . والثاني : أنه حال من مفعول « أَنْزَلْناهُ » ، أي : ومعه الحقّ . والثالث : أنه حال من فاعله ، أي : ملتبسين بالحق . وعلى هذين الوجهين يتعلق بمحذوف ، والضمير في « أَنْزَلْناهُ » الظّاهر عوده للقرآن ، إمّا الملفوظ به في قوله قبل ذلك « عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ » . ويكون ذلك جريا على قاعدة أساليب كلامهم ، وهو أن يستطرد المتكلم في ذكر شيء لم يسق له كلامه أولا ، ثم يعود إلى كلامه الأول ، وإما للقرآن غير الملفوظ أولا لدلالة الحال عليه كقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وقيل : يعود على موسى ، كقوله : وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ، وقيل : على الوعد ، وقيل : على الآيات التسع . وذكّر الضمير ، وأفرده حملا على معنى الدليل والبرهان . قوله : « وَبِالْحَقِّ نَزَلَ » فيه الوجهان الأولان دون الثالث ، لعدم ضمير آخر غير ضمير القرآن ، وفي هذه الجملة وجهان : أحدهما : أنها للتأكيد ، وذلك أن يقال : أنزلته فنزل ، وأنزلته فلم ينزل ، فجيء بقوله : « وَبِالْحَقِّ نَزَلَ » دفعا لهذا التّوهّم ، وقيل : ليست للتأكيد والمغايرة تحصل بالتغاير بين الحقين ، فالحق الأول التوحيد . والثاني : الوعد والوعيد ، والأمر والنهي . وقال الزمخشري : « وما أنزلنا القرآن إلّا بالحكمة المقتضية لإنزاله ، وما نزل إلّا ملتبسا بالحق والحكمة ، لاشتماله على الهداية إلى كلّ خير ، أو ما أنزلناه من السماء إلّا بالحق محفوظا بالرصد من الملائكة ، وما نزل على الرسول إلّا محفوظا بهم من تخليط الشياطين » . و مُبَشِّراً وَنَذِيراً حالان من مفعول أَرْسَلْناكَ . وقوله : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ . في نصبه أوجه : أحدها : أنه منصوب بفعل مقدّر ، أي : وآتيناك قرآنا يدل عليه قوله : « وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى » . والثاني : أنه منصوب عطفا ( على الكاف في « أَرْسَلْناكَ » . قال ابن عطية : « من حيث كان إرسال هذا ، وإنزال هذا ، بمعنى واحد » . الثالث : أنه منصوب عطفا ) على « مُبَشِّراً وَنَذِيراً » . قال الفراء : « هو منصوب ب « أَرْسَلْناكَ » ، أي : ما أرسلناك إلّا مبشّرا وقرآنا كما تقول : رحمة ، لأن القرآن رحمة » . قلت : يعني أنّه جعل نفس القرآن مرادا به الرحمة مبالغة ، ولو ادعى ذلك على حذف مضاف كان أقرب ، أي : وذا قرآن . وهذان الوجهان متكلفان . الرابع : أن ينتصب على الاشتغال ، أي : وفرقنا قرآنا فرقناه . واعتذر الشيخ « 1 » عن ذلك ، أي : عن كونه لا يصح الابتداء لو جعلناه مبتدأ لعدم مسوغ ، لأنه لا يجوز الاشتغال إلّا حيث يجوز في ذلك الاسم الابتداء بأن ثم صفة محذوفة ، تقديره : وقرآنا ، أي : قرآن بمعنى عظيم . و « فَرَقْناهُ » على هذا لا محل له بخلاف الأوجه المتقدمة ، فإنه محله النصب ، لأنه نعت ل « قُرْآناً » . والعامة : « فَرَقْناهُ » بالتخفيف ، أي : بيّنّا حلاله وحرامه ، أو فرقنا فيه بين الحق

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 88 ) .